شوقي كريم حسن: إشارة معرفية.. واثق الچلبي.. الزمن دونما أعتاب

شوقي كريم حسن: إشارة معرفية.. واثق الچلبي.. الزمن دونما أعتاب

شوقي كريم حسن
 تتخلل هذه القصيدة الواثقية مسحة من الحزن العميق والتأمل في مسارات الحياة المضطربة، حيث يبدو الشاعر متأملاً في تجاربه المختلفة التي انتهت بالفقد والتشتت. كل بيت من هذه الأبيات يكشف عن حالة من التمرد على الزمن والمكان، ومحاولة للبحث عن معنى رغم العثرات التي تصادفه. هناك تساؤلات حول الأبواب المغلقة والرحيل دون وداع، وتحقيق الأماني غير المكتملة.
الصورة الشعرية التي رسمها الشاعر قادرة على التفاعل مع المتلقي بمشاعر مختلطة من الأسى والتساؤل، حيث نجد الفقد ليس للأشخاص، بل لكل ما يحمل معنى أو وعداً. كما أن الإشارة إلى “الليل” و”الغروب” تعمق هذه المشاعر، وتسلط الضوء على رحلة الشاعر الحزينة التي يسعى فيها للشفاء بينما يظل يعاني من الغربة والانعزال. ما يميز القصيدة استخدام لغة شاعرية مُفعمة بالصورة والتكرار، مما يساهم في شد انتباه القارئ إلى حالة الاغتراب الداخلي التي يشعر بها ، معبرة عن التحدي العميق للظروف والمصير. أكمل الأبيات بالتعبير عن المعترك النفسي والوجودي الذي يغلف كل كلمة فيها، حيث يبرز الشاعر حساً نقدياً للحياة التي عاشها، محاولًا الاقتراب من ذات التناقضات الداخلية التي تسكنه. فكل “كم” تكررت لتسرد تجاربه المحملة بالخيانة الذاتية، مما يخلق نوعًا من السرد الذي يثير الأسئلة حول قيمة الوجود في عالم يعجز عن تقديم الإجابات.
تستمر الصور الشعرية لتأخذ بعدًا فلسفيًا عميقًا، إذ يلتقط الشاعر حركات الزمن كأنها كائنات تعيث فسادًا في ذاكرته، ويمضي في تلك الصورة الملحمية التي لا تنتهي إلا بتعبير عاطفي مكثف. يبدو الشاعر وكأنه يتحاور مع نفسه، محاولًا البحث عن إجابة لأسئلة الوجود التي لم يتلقَّ عنها سوى الإجابة التي تشبه الصمت: “ما طعمُ المروءة للعقاب؟” ومن خلال هذه الأبيات، يتضح أن الشاعر يرفض الاستسلام لعذاباته الداخلية، ولا يكتفي بالحزن الذي يرافقه طوال الوقت، بل يسعى للكشف عن حقيقة عميقة تظل تلاحقه: “أنا رجلُ الشفاء لذي عضالٍ فمالي لا أشافى كاغترابي؟” هذه الصورة تلخص الصراع بين القوة الداخلية التي تحاول الشفاء وبين الواقع الذي يبدو غير قابل للإصلاح. إنها دعوة صادقة لتجاوز معاناته، ليتبدل الألم إلى قوة تُسهم في تطهير نفسه من جراح الماضي، وهو نوع من التحدي العاطفي والوجودي في آن واحد. في هذه اللحظة من الكتابة، تتساقط الأبيات كما لو أنها أحجارٌ ملونة تنزلق على سطح الزمن، تتآلف وتتصارع في ذات الوقت. الشاعر يتخبط في عالم مليء بالعثرات والوعود المكسورة، بينما تتوالى الأسئلة على لسانه، وكأنما لا يجد ملاذًا لها إلا في هذا التدفق الشعري الذي يترجم آلامه:“ألا تدري بأنك لستَ منهم، فما طعمُ المروءة للعقاب؟” هنا يكمن السؤال المفتوح، حيث يتساءل الشاعر عن طعم المروءة والوفاء في عالم لا يقدر عليهما، بل يلهث وراء اللذة اللحظية والتفاصيل الصغيرة التي تتراكم وتصبح عذابًا مستمرًا. الشاعر يصف مرارة الحياة، لكنه في الوقت نفسه يطلق صرخته من خلال الشعر، محاولًا أن يضع تلك الأسئلة في كلمات تمتلك القدرة على تهدئة النفس الجريحة، رغم أن الإجابة تظل غامضة.
ثم يأتي التشبيه القوي في الجملة:“عذابٌ مفعمٌ بالشعر يسري كمجرى الماء في عود الثقاب” تكتمل الصورة المريرة: العذاب يسري كما النار التي لا تنطفئ، متقدة بالألم، محيطًا بكل جزء من الكائن الحي، يُشعل عود الثقاب في اللحظات الأكثر حميمية، ليبقى الشاعر في حالة اشتعال داخلي دائم. تتتابع الصور الشاعرية التي تغرقه في تلك النار النفسية.وبعد الألم، يأتي الفزع من الفقدان الذي يشعر به الشاعر وهو يروي رحلته: “أنا كالماردِ المملوء غيظًا”، فيتمرد على عالمه، لكنه لا يجد فكاكًا من ظلال اكتئابه التي تجعله غير قادر على المضي قدمًا.لكن،ثمة في السؤال الأخير، يتحقق ذلك التوق للشفاء، للعودة إلى الحياة بروح جديدة:“أنا رجلُ الشفاء لذي عضالٍ فمالي لا أشافى كاغترابي؟” يتضح أن الشاعر يسعى للشفاء، ليس من ألم الجسد بل من عذاب الروح، متسائلًا عن السبب وراء عجزه عن إيجاد الخلاص من معاناته، وإن كانت الشفاءات الخارجية تتطلب وقتًا طويلًا في انتظار اللحظة التي ستأتي، إذ تظل الأسئلة دون إجابة، ويبقى الشاعر يبحث في قصيدته عن ترياقٍ لما يعصف به.!!
واثقيات95
أقيلوا عثرة الزمن المُرابي     فكم بابٍ دخلتُ وليس بابي!
وكم زمنٍ دخلتُ وليس فيه من الزاد المعبأ للجوابِ
وكم بيتٍ سكنتُ وليس يدري بأني راحلٌ قبل الإيابِ
وكم ظبيٍ رأيتُ بليل دربٍ فكان الصفرُ محصول التصابي
وكم ربٍ عبدتُ رذاذ قطرٍ على تلك الشواهقِ والهضابِ
وكم وجهٍ عشقتُ طريد موتٍ فليس جمالُ وجهك في الترابِ
 وكم عهدٍ قطعتُ على فؤادٍ به رجف الرمادِ على الخوابي
وكم قبّلتُ ثغراً صار أمساً وكم كفنّتُ حُسنا في الخضابِ
وكم قرأتْ عيوني من كتابٍ أضاع هلاوسي بفمِ الغرابِ
وكم قررتُ أن ألغي حياةً بها غرقُ السفينةِ من عتابِ
 ألا تدري بأنك لستَ منهم فما طعمُ المروءة للعقابِ ؟
وما شهدتْ عيوني موتَ قلبي وما شهد الزمانُ سوى عذابي
 عذابٌ مفعمٌ بالشعر يسري كمجرى الماء في عود الثقابِ
أليس الليلُ خيلك فأدّركهُ وراحت تحتفي خلف السحابِ
أنا كالماردِ المملوء غيظاً وراحلتي من الدنيا اكتئابي
 كأني محزمٌ للرمل وجهٌ لماثلة الغروبِ على استلابي
 أنا رجلُ الشفاء لذي عضالٍ فمالي لا أشافى كاغترابي ؟